-
يا نفس، إن العشر إذا أقبلت، لم تأت لتزيدي في عدد الأيام، بل لتفهمي أن الأيام قليلة.
ليست العبرة أن يطول العمر، بل أن يستيقظ القلب قبل أن ينتهي الطريق.
كم من إنسان عاش أعواما كثيرة، ولم يعش لله يوما واحدا كما ينبغي.
وكم من عبد فتح الله له في لحظة صدق ما لم يفتحه لغيره في سنين طويلة.
الله أكبر…
قوليها وأنت تنظرين إلى عمرك لا إلى رزنامتك.
قوليها وأنت تعلمين أن الحياة ليست مضمونة إلى آخر العشر، ولا إلى آخر اليوم، ولا إلى آخر النفس.
كل ما حولك يقول لك: أسرعي إلى الدنيا.
والتكبير يقول لك: تمهلي، فالدنيا ليست أكبر.
كل ما حولك يقول لك: اجمعي أكثر.
والتكبير يقول لك: ما أخذته الروح معها هو ما بقي.
كل ما حولك يقول لك: انتصري للوقت الضائع بالانشغال.
والتكبير يقول لك: لا يعوض العمر إلا الرجوع إلى الله.
يا نفس، ما أقصر الحياة حين تنظرين إليها من آخرها.
تلك الخصومة التي أحرقت قلبك سنوات، ستبدو صغيرة.
ذلك المال الذي خفت عليه، سيتركك أو تتركينه.
ذلك المدح الذي طلبته، سيتلاشى في أفواه الناس.
ذلك الهم الذي ظننته نهاية العالم، سيصبح ذكرى باهتة.
ذلك الشخص الذي ظننت أن رضاك مرهون برضاه، سيمضي كما مضى غيره.
ويبقى السؤال الكبير:
ماذا صنعت بقلبك؟
ماذا صنعت بلسانك؟
ماذا صنعت بالأيام التي مرّت عليك كأنها رسل، ثم رجعت إلى الله تشهد عليك؟
الله أكبر…
أكبر من عمري حين أخاف عليه أكثر مما أخاف على معناه.
أكبر من شبابي إذا ظننته دائما.
أكبر من شيخوختي إذا حسبتها نهاية الرجاء.
أكبر من الماضي إذا قيّدني.
أكبر من المستقبل إذا أرعبني.
أكبر من اللحظة إذا استصغرتها وهي باب إلى الله.
يا نفس، لا تنظري إلى العشر كأنها أيام كثيرة.
إنها تمضي كما يمضي الطيف.
تدخل أولها وأنت تقولين: ما زال الوقت واسعا.
ثم تجدين نفسك في آخرها تسألين: أين ذهبت؟
هكذا العمر كله.
نبدأه كأننا خالدون، وننهيه كأننا لم نلبث إلا ساعة.
نؤجل التوبة لأن الغد قريب، ثم نؤجل العمل لأن القلب متعب، ثم نؤجل الصلح لأن الكرامة صعبة، ثم نؤجل الدعاء لأن اللسان مشغول، ثم إذا جاء الوداع قلنا: يا ليتني قدمت لحياتي.
إلهي، لا تجعلني ممن يعرف قصر الحياة بعد فواتها.
ولا ممن يرى الجنائز ثم يعود إلى غروره كما كان.
ولا ممن يسمع التكبير في العشر، ثم يبقى قلبه صغيرا أمام الدنيا.
علمني يا رب أن أعد أيامي لا كما يعدها التاجر، بل كما يعدها الراحل.
كل يوم قارب يبتعد بي عن شاطئ البداية.
كل صباح أمانة جديدة.
كل مساء شاهد جديد.
كل نفس ضيف لا يرجع.
يا نفس، إن الموت لا يحتاج إلى موعد معلن حتى تستعدي له.
يكفي أنه حق.
ويكفي أن كل من تحبين يسير إليه.
ويكفي أنك رأيت من كان يضحك بالأمس، ثم صار اسمه يسبق بالدعاء: رحمه الله.
فلا تجعلي ذكر الموت ظلمة في قلبك.
اجعليه نورا يوقظك.
فالموت لا يخيف من عرف أين يذهب، ولكنه يرعب من عاش بلا اتجاه.
الله أكبر…
أي أكبر من موت أخشاه إذا كنت سائرة إليه بصدق.
أكبر من قبر أرتعب منه إذا ملأته بالعمل الصالح قبل أن أدخله.
أكبر من فناء الجسد إذا بقي أثر الخير.
أكبر من وحشة النهاية إذا كان القلب يعرف ربه.
يا نفس، ما قيمة أن تعيشي طويلا وأنت غريبة عنك؟
وما قيمة أن يطول بك الوقت وأنت تهربين من الحق؟
وما قيمة أن تجمعي الأعذار كما يجمع الناس المتاع، ثم لا تجدين منها شيئا حين ينكشف الغطاء؟
الحياة قصيرة، فلا تنفقيها في تمثيل القوة أمام الناس.
الحياة قصيرة، فلا تؤجلي كلمة طيبة.
الحياة قصيرة، فلا تبخلي بعفو ينقذك قبل أن ينقذ غيرك.
الحياة قصيرة، فلا تجعلي قلبك مخزنا لما لا ينفع.
الحياة قصيرة، فلا تقضيها في انتظار اعتذار قد لا يأتي، أو اعتراف قد لا يقال، أو إنصاف قد لا يظهر في الدنيا.
افعلي الخير ثم امضي.
قولي الحق ثم امضي.
كبري الله ثم امضي.
اتركي في الأرض أثرا خفيفا طيبا، لا صخبا كثيرا ولا جرحا عميقا.
إلهي، إني أراك تمد لي الأيام لا لأغتر، بل لأعود.
وتفتح لي المواسم لا لأزيد صورا في الذاكرة، بل لأزيد نورا في القلب.
وتبلغني العشر لا لأتفاخر أني أدركتها، بل لأخجل أني قصرت فيما قبلها.
فيا رب، إن كان عمري قصيرا، فبارك لي فيه.
وإن كان عملي قليلا، فأخلصه لوجهك.
وإن كان قلبي ضعيفا، فقوه بذكرك.
وإن كان لساني غافلا، فأيقظه بتكبيرك.
وإن كانت نفسي تؤجل، فاقطع عنها حبال التسويف.
الله أكبر…
كبرها يا قلبي كلما قالت لك النفس: بعد قليل.
كبرها كلما قال لك الهوى: لم يفت الوقت.
كبرها كلما قال لك الكسل: غدا تبدأ.
كبرها كلما قالت لك الدنيا: ابق معي أكثر.
كبرها حتى تفهم أن كل تأجيل قد يكون بابا مغلقا لا يعود.
يا نفس، لا تكرهي ضعفك إذا قادك إلى الله.
ولا تحزني على عمرك الماضي إذا صار ندمه سلما للتوبة.
ولا تقولي: فاتني الكثير، فباب الله لا يقاس بساعات الناس.
رب لحظة صدق تغسل سنوات غفلة.
ورب دمعة في العشر تفتح في القلب ما أغلقه العمر كله.
ورب تكبيرة تخرج من صدر منكسر، تكون عند الله أثقل من خطب طويلة خرجت من قلب غافل.
لكن إياك أن تجعلي رحمة الله حجة للتأخير.
فالعبد الصادق لا يقول: الله غفور ثم ينام على الذنب.
بل يقول: الله غفور، لذلك أستحي أن أتمادى.
إلهي، إن العمر يمضي، وأنا أتعلم ببطء.
والأيام تفر، وأنا ما زلت أجادل نفسي.
والفرص تمر، وأنا أمد يدي إليها متأخرا.
فلا تكلني إلى نفسي.
خذ بيدي قبل أن يصير الندم صوتي الوحيد.
واجعلني أخرج من هذه العشر أخف من ذنوبي، وأصدق في طاعتي، وأرحم بخلقك، وأقرب إليك.
يا نفس، انظري إلى الذين سبقوك.
أين أصواتهم؟
أين مجالسهم؟
أين غضبهم وضحكهم وخططهم ومخاوفهم؟
كان لهم صباح مثل صباحك، وليل مثل ليلك، ورسائل لم يردوا عليها، وأعمال أجلوها، وأمنيات قالوا: سنفعلها لاحقا.
ثم جاء لاحقا ولم يجدهم.
فلا تغتري بامتلاء اليوم.
قد يكون اليوم ممتلئا بالأعمال، ولكنه فارغ من المعنى.
وقد يكون اليوم بسيطا، فيه ركعتان صادقتان، ودعاء خفي، وصلة رحم، وكلمة جبر، فيكون عند الله يوما عظيما.
الله أكبر من كثرة لا بركة فيها.
الله أكبر من انشغال لا يقربني منه.
الله أكبر من عمر طويل بلا يقظة.
الله أكبر من نجاح يجعلني أنسى المصير.
الله أكبر من دنيا تأخذ مني قلبي ثم تعدني بالراحة.
يا نفس، إن قصر الحياة ليس دعوة للحزن، بل دعوة للصدق.
ليس معناه أن تتركي العمل، بل أن تعملي ما يستحق.
ليس معناه أن تكرهي الدنيا، بل أن تضعيها في حجمها.
ليس معناه أن تعتزلي الناس، بل أن تختاري ما يبقى من صحبتهم.
ليس معناه أن تخافي من الموت كل لحظة، بل أن لا تخافي من الحياة إذا عشتها لله.
في العشر، كبري كأنك تغسلين العمر.
كبري على ما فات من غفلة.
كبري على ما في القلب من تعلق.
كبري على الخوف من النهاية.
كبري على وهم الخلود.
كبري حتى تصير الدنيا صغيرة بما يكفي أن تحمليها في يدك، لا في قلبك.
إلهي، علمني أن أعيش يوما واحدا كما ينبغي.
يوما لا أظلم فيه أحدا.
يوما لا أكذب فيه على نفسي.
يوما لا أؤجل فيه التوبة.
يوما لا أترك فيه التكبير عادة على اللسان، بل يقظة في الروح.
يوما إذا انتهى، قلت: الحمد لله، لم يذهب كله للغفلة.
فإن من عاش يوما صادقا، عرف طريق العمر كله.
الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله.
الله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد.
يا نفس، هذه وصية قصر الحياة:
لا تنتظري اكتمال الظروف لتعودي إلى الله.
لا تنتظري صفاء القلب لتذكريه، فالذكر هو الذي يصفيه.
لا تنتظري زوال الهم لتكبري، فالتكبير هو الذي يضع الهم في حجمه.
لا تنتظري أن يصبح العمر آمنا، فالعمر لم يكن آمنا يوما.
ابدئي الآن.
بذكر.
بتوبة.
بدعاء.
بصلة.
بصفح.
بعمل صغير صادق.
بترك ذنب واحد.
بكلمة: الله أكبر، تقولينها كأنك تخلعين من قلبك ثوبا ضاق عليك طويلا.
يا رب، إن كانت الحياة قصيرة، فأنت الباقي.
وإن كان العمر يذبل، فرحمتك لا تذبل.
وإن كانت الأيام تفلت من أيدينا، فاجعل ما بقي منها شاهدا لنا لا علينا.
الله أكبر من عمري كله.
الله أكبر من بدايتي ونهايتي.
الله أكبر من خوفي ورجائي.
الله أكبر من دنيا تمر، ومن موت يأتي، ومن قبر ينتظر، ومن حساب لا ينجو منه إلا من رحمته.
ولله الحمد.